الثَّقافة الكرديَّة غنيَّة بقصص الحبِّ الملحميَّة والتَّراجيديَّة، هذه القصص الّتي تناقلها الرَّواة والمغنون الشَّعبيون عبر القرون ليست مجرد حكايات عاشقين، بل هي أيضاً مرآةٌ للنّضال القومي والتَّناقضات الاجتماعيَّة ومصير الشَّعب الكردي. وغالباً ما تنتهي هذه القصص بالمأساة، في مجتمعات كان الحبُّ فيها يصطدم بالعوائق الطَّبقيَّة أو الدّينيَّة أو السّياسيَّة.
وعلى أرض كردستان أيضاً مئات القصص الّتي انتهت بالموت أو بالفراق. ذلك الفراق الّذي لم يكن في أحلام أصحابها، بل كان قدراً اختاره لهم الزَّمن. ربما كانُوا يحلمون ببناء بيت صغير مزين بالورود تحت ظلّ شجرة، ويرسمون على جدرانه آمالهم وأحلامهم. لكن اليوم لا البيت موجود ولا أصحابه، ولم يبقَ سوى الأمل. وعلى ذلك الجدار كُتِبَتْ عبارة مؤلمة: "تبنوا أحلامنا وأحبّوا الحياة".
وعندما نتحدث عن الحبّ، تتبادر إلى الأذهان فوراً قصص مم وزين، خجي وسيابند، ورشو وروجدا؛ تلك الحكايات الّتي تحمل في طياتها لذَّةَ المقاومة بقدر ما تحمل حلم رؤية كردستان حرَّة. فهي ليست مجرد قصص حبّ، بل هي أيضاً قصةُ شعبٍ مثقلٍ بالآلام، عاش بين الموت والبقاء، وبين الدَّموع والأحزان، وحتَّى في انتظار طويل أمام نافذة القدر، مترقباً اليوم الّذي تشرق فيه شمس الأمل. وربَّما لم يأتِ ذلك اليوم بعد لهؤلاء العشاق.
أما الملحمة الكرديَّة الحديثة الّتي انتهت بالموت، فلم يدم حبها سوى عشرين يوماً، قبل أنْ يأتي فجر غيّر كلَّ شيءٍ وفرض عليهما قدر الموت. إنَّها قصةُ رودي وبروين، وهي واحدة من القصص الكرديَّة المؤلمة الّتي انتهت باستشهادهما على يد مرتزقة تنظيم داعش خلال مجزرة كوباني في 25 حزيران.
كان رودي من مدينة كوباني، وكذلك بروين. جمع بينهما حب اللُّغة الكرديَّة، متأثرين بأحلام مير جلادت علي بدرخان وأحمد خاني، كانا يدرّسان في المدارس، كما كانا يشاركان في تعليم اللُّغة الكرديَّة. وفي خضم تلك الأنشطة وقعت عينا رودي على بروين الجميلة. في البداية لم يكن يعلم أنَّهما جاران، لكن عندما رآها للمرة الثَّانية في احتفالات نوروز وقع في حبّها. حبٌّ كان مصيره أنْ يمتزج بالمأساة.
قبل الحرب، اضطر رودي إلى الانتقال إلى شمال كردستان بسبب الظَّروف الاقتصاديَّة لعائلته. وبعد اندلاع الحرب، لجأت بروين مع عائلتها أيضاً إلى مدينة برسوس، حيث عاشوا حياة اللّجوء. لكن شغفها باللّغة الكرديَّة دفعها إلى جمع الأطفال حولها من جديد وتعليمهم، وكأنَّ حروف اللُّغة كانت الأوكسجين الّذي تتنفسه. وفي تلك الفترة أيضاً ظلَّ العاشقان يفكران ببعضهما.
وبعد تحرير كوباني، عادت العائلتان إلى مدينتهما، وواصلا حياتهما بين البيوت المدمرة. وهناك قرَّر الحبيبان الزَّواج. كانت أصوات الطَّبول والمزامير والزَّغاريد تعلو من جهة، بينما كان الموت مختبئاً في زاويَّة من ذلك البيت من جهة أخرى. حول حلقة الدَّبكة كانت آثار الحرب في كلّ مكان؛ الطُّرقات مليئة بالحجارة والأنقاض، والأشجار نسيت لون الماء من شدَّة الخراب. لكنَّ الطَّيور في أعشاشها كانت تغرد وكأنَّها لا تعلم شيئاً عن كلَّ ذلك.
بعد عشرين يوماً فقط من زواجهما، وفي فجر صيفي مختلف عن كلّ صباحات الصَّيف الدَّافئة، خيّم برد غريب وصمت ثقيل. أخذت أصوات الرَّصاص تزداد شيئاً فشيئاً، وحاول الجميع أنْ يطمئنوا أنفسهم بتفسيرات مختلفة، لكنَّ الحقيقة كانت أنَّ الموت كان يقترب منهم.
وعندما همّ رودي بالخروج من المنزل، شعر قلب بروين بخوف يشبه العاصفة. فتح الباب المثقوب بالرَّصاص، فرأى أمامه أحد عناصر داعش الّذي هاجمه صارخاً: "الله أكبر"، سقط رودي على الفور، بينما اقتحم المرتزقة المنزل. وقفت بروين في الصَّالة تشاهد كلَّ شيءٍ أمام عينيها. ثمَّ انهالوا عليها بوحشيَّة، كما اعتدوا على والدة رودي وشقيقته، وسقط الجميع في فناء المنزل كأنَّهم باقة من الزَّهور المبعثرة.
وعندما خرج المرتزقة من المنزل، كانت بروين لا تزال على قيد الوعي. أرادت أنْ تنظر للمرة الأخيرة إلى وجه رودي وأنْ تودعه، كان يفصل بينهما بضع خطوات فقط، لكنَّها لم تستطع الوصول إليه بسبب جراحها النَّازفة. اختلطت دموعها بدمائها، وانسابت على وجهها. واصلت الزَّحف بصعوبةٍ حتَّى استطاعت أخيراً أنْ تضع يدها على رأس رودي للمرة الأخيرة، عندها تبادلا الوداع.
جلست بروين بكلّ ما بقي لديها من قوة، ورفعت رأس رودي ووضعته على ركبتيها وهي تبكي. ثم سقطت هي أيضاً، بينما بقي رأس رودي على ركبتيها. وكأنَّ الحياة والنَّهار والموت والدّموع كلَّها توقفت لتراقب ذلك المشهد.
كانا الاثنان قد حلما ببناء بيت من الأمل، وكان حلمهما الأكبر إنشاء مكتبة تضمُّ الكتب الكرديَّة. واليوم تحقَّق ذلك الحلم بطريقة مؤلمة؛ فقد تحولت غرفة حبهما إلى مكتبة للكتب الكرديَّة، وكُتِبَتْ على جدارها العبارة الّتي أصبحت وصيتهما الأخيرة: "تبنوا أحلامنا وأحبّوا الحياة".