الاحتلال يواصل خرق وقف إطلاق النار في غزة لليوم الـ338 صيف أطفال غزة تحت الإبادة: ضيق مساحة اللعب واتساع أعباء البقاء مجموعات مسلّحة وتهريب سلاح من سوريا: تحشيد بانتظار «ساعة الصفر»؟أموال التنظيم المدفونة.. تحقيق يتعقب ثروات “داعش” في صحارى سوريا والعراق بن غفير يتفاخر باقتحام أقسام الأسيرات.. وتحذيرات فلسطينية من خطورة الوضع 5 شهداء في 24 ساعة في غزّة: اغتيال في حي الأمل واعتداءات متنقّلة النيجر: هجوم مسلح يستهدف محيط القصر الرئاسي ومطار نيامي بعد اتفاق الذلّ.. الأرقام توثّق تصاعد سياسة إبادة الجنوب داعش يكسر صمته.. هل استيقظت خلاياه في سوريا؟الفلسطينيون المبعدون إلى مصر: عندما ينتهي الأسر ولا تبدأ الحرية
   
الصفحة الرئيسة القائمة البريدية البريد الالكتروني البحث سجل الزوار RSS FaceBook
جرائم ضد الإنسانية
تصغير الخط تكبير الخط طباعة الصفحة Bookmark and Share
صيف أطفال غزة تحت الإبادة: ضيق مساحة اللعب واتساع أعباء البقاء

كانت العطلة الصيفية في الأيام الطبيعية تمثل مساحة ينتظرها الأطفال بعد عام دراسي طويل من أجل النوم واللعب والذهاب إلى النوادي والبحر لممارسة الهوايات مع الأهل والأصدقاء، أمّا في قطاع غزة، حيث تستمر الإبادة الجماعية (2023-2026) وتتواصل آثار النزوح والدمار وتدهور الأوضاع المعيشية، فقد فقدت الإجازة كثيراً من معناها بالنسبة إلى الأطفال، إذ لم يعد الصيف موسماً للراحة بقدر ما أصبح امتداداً ليوميات البقاء.

يبدأ يوم بعض الأطفال مع ساعات الفجر بالصلاة وتلاوة القرآن، ثم النوم لساعات قليلة قبل العودة إلى سلسلة من المهام اليومية: جلب المياه، ومساعدة الأهل، والوقوف في الطوابير للحصول على الطعام أو الخبز، ثم الذهاب إلى المخيمات الصيفية أو مراكز تحفيظ القرآن. وبين هذه المسؤوليات، تُقتطَع ساعات محدودة للعب، غالباً في الشوارع أو في مساحات ضيقة لا توفر بالضرورة بيئة آمنة للأطفال.

الإجازة كجزء من يوميات البقاء

يقول ب. ر.[1] إن يومه يبدأ مبكراً بالصلاة في المسجد والمشاركة في جلسة تلاوة القرآن الكريم قبل أن يعود إلى النوم قليلاً استعداداً ليوم مملوء بالمتاعب؛ إذ يذهب لمساعدة أسرته في جلب المياه، فيقف في طابور للحصول الماء قد يستمر نحو نصف ساعة، و"مرة بيجي ومرة ما بيجي" بحسب تعبيره. ويضيف: "عند الظهيرة، أتجه إلى التكية للحصول على طبق الطعام، ثم أجلس لأحفظ وردي اليومي، لأذهب عصراً إلى مركز تحفيظ القرآن وأتلو ما حفظته، ثم أعود إلى الخيمة لأجلس مع أفراد أسرتي حتى النوم."

ويقول بصوت حزين: "لم نعد نجد مكاناً مناسباً للترفيه وممارسة الرياضة كما كنا سابقاً، لذلك أمارس كرة القدم في الشارع الرملي المدمر يومَي الخميس والجمعة."

وتتشابه يوميات ع. و.[2] بعض الشيء مع بلال في صلاة الفجر وجلسة القرآن اليومية بعدها، غير أنه لا يجد وقتاً للمخيم التعليمي الترفيهي، ويشرح هذا الأمر قائلاً: "والدي شهيد وإخواني صغار، لذا أعمل على بسطة صغيرة أساهم بها في رعاية أسرتي، وأقوم في أثناء ذلك بحفظ ما تيسر لي من القرآن."

لا تبدو تلك التفاصيل اليومية مختلفة عن بعض النشاطات التي قد يمارسها الأطفال في أوقاتهم العادية، لكن الفارق يكمن في السياق الذي تجري فيه؛ فحين يصبح جلب المياه والطعام والعمل جزءاً ثابتاً من يوم الطفل، وتختفي المساحات العامة والحدائق والملاعب أو تصبح غير متاحة، يتقلص الوقت المخصص للَّعب إلى مساحة هامشية في حياة مثقلة أصلاً بتداعيات الحرب والنزوح.

وبدورها، تروي رواء العوضي،[3] النازحة في مخيم الدحيان في مدينة غزة، وزوجة شهيد وأمٌّ لطفلتين، أن طفلتيها روعة (9 أعوام) وديما (7 أعوام) تمضيان ساعات الصباح في بعض النشاطات الصيفية التي توفر لهما متنفساً محدوداً من واقع النزوح.

وتذهب الطفلتان ثلاثة أيام في الأسبوع إلى مخيم صيفي تعليمي ترفيهي، وثلاثة أيام أُخرى إلى مركز لتحفيظ القرآن الكريم، بينما في بقية الوقت لا تُترك لهما مساحة واسعة للَّعب؛ إذ تنخرطان إلى جانب والدتهما في جلب الخبز والمياه والوقوف في طوابير الحصول على الطعام، وتقول العوضي: "إن هذا الروتين القاسي ينعكس في تفاصيل حياة طفلتيَّ"، مستشهدة بما حدث لطفلتها ديما التي تعرضت للحرق بعدما انسكب عليها وعاء من الطعام الساخن.

وفي واقع كهذا، لا تتنافس النشاطات الترفيهية مع الدراسة أو اللعب فحسب، بل أيضاً تتنافس مع الحاجات الأساسية للبقاء، فتقول الأم: "نظراً إلى انشغالنا معظم الوقت في تدبير أمور الحياة المعيشية الصعبة التي نعيشها، أحاول جاهدة إخراج طفلتيَّ من أجواء الحرب والنزوح باصطحابهم إلى البحر أو تركهم يلعبون مع أقرانهم في ساحة المخيم، فالمساحات التي كان يمكن للأطفال أن يلعبوا فيها تعرضت للدمار، ولم يتبقَ أمامهم الكثير سوى الشوارع أو المساحات المحيطة بالمخيم."

وهكذا، لا يبدو حرمان الأطفال من الترفيه نتيجة غياب الرغبة لدى الأسر بقدر ما هو نتيجة مباشرة لواقع مادي واجتماعي فرضته الحرب: أماكن مدمرة، ونزوح متكرر، وخيام مكتظة، ونقص في الموارد، وحاجات أساسية تستنزف معظم الوقت والطاقة.

المخيم الصيفي

في مواجهة هذا الواقع، يحاول بعض المؤسسات والمنظمات توفير مساحات موقتة تجمع بين التعليم والترفيه والدعم النفسي والاجتماعي، ومن هذه المبادرات مخيم "أجراس المدرسة" الصيفي، الذي تقيمه مدرسة الإتقان الحكومية بدعم من منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف). ويقول مدير المخيم محمد أبو ريا[4] في هذا الصدد إن البرنامج يستهدف تعويض جزء من الفاقد التعليمي لدى الأطفال، إلى جانب توفير نشاطات ترفيهية وغرس مجموعة من القيم الاجتماعية والتربوية.

ويحصل الطفل، وفق البرنامج، على 12 حصة أسبوعياً: 6 منها مخصصة لتعويض الفاقد التعليمي، و3 حصص للنشاطات الترفيهية والفنية، و3 حصص للإرشاد التربوي وغرس القيم.

ويوضح أبو ريا: "لا يقتصر الهدف من النشاطات الترفيهية على شغل وقت الأطفال، فالألعاب الجماعية كالشطرنج وغيرها من النشاطات صُممت لمساعدة الطفل على الخروج موقتاً من أجواء الحرب والدمار إلى مساحة مختلفة يستطيع فيها التفاعل مع أقرانه."

كما يضم المخيم نشاطات إرشادية وفنية، بينها الرسم والتعبير بالألوان، بما يسمح للمرشدين بالتعرف على بعض الانفعالات التي تظهر لدى الأطفال والتعامل معها وفق حاجاتهم. ويلفت مدير المخيم إلى أن تلك المساحات نفسها تعمل داخل أوضاع شديدة الصعوبة، فـ "المخيم يقام في خيام، والمساحات المتاحة محدودة، وارتفاع درجات الحرارة خلال أشهر الصيف يجعل وجود الأطفال والميسرين داخلها في حالة متوترة بعض الشيء، كما أن ضيق المكان يفرض قيوداً على طبيعة الألعاب التي يمكن تنظيمها، وهو ما يعيق إعطاء الطفل حقه الكامل في اللعب."

ويشير أبو ريا إلى أن الإمكانات المتوافرة محدودة، وأن ضيق المساحة وارتفاع الحرارة يمثلان أبرز العوائق أمام تنفيذ النشاطات، الأمر الذي يدفع القائمين على المخيم إلى اختيار ألعاب تتناسب مع المساحات الصغيرة المتاحة.

وهنا تظهر مفارقة أساسية؛ المساحة التي يُفْتَرَضُ أن تكون ملاذاً موقتاً للأطفال من آثار الحرب هي نفسها جزء من واقع النزوح: خيمة صغيرة، وحرارة مرتفعة، وموارد محدودة، ومساحة لا تسمح للطفل بالحركة بحرِّية.

اللعب ليس ترفاً

من جانبه، قال تيد شيبان، نائب المدير التنفيذي لليونيسف لشؤون العمل الإنساني وعمليات الإمداد،[5] الذي زار غزة مؤخراً: "بالنسبة إلى الأطفال الصغار حول العالم، بما في ذلك في غزة، لا يُعَدُّ اللعب ترفاً، إنما هو وسيلة أساسية لتنمية اللغة والمهارات الحركية ومهارات حل المشكلات والمهارات الاجتماعية والعاطفية."

وكانت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) قد أعلنت أنه بعد أكثر من عامين من القيود، سُمح لها بإدخال مجموعات ترفيهية إلى قطاع غزة لدعم تعلُّم الأطفال ورفاههم وقدرتهم على الصمود، ومنذ يوم الخميس 15 كانون الثاني/يناير 2026، دخلت 5168 مجموعة ترفيهية القطاع لدعم أكثر من 375,000 طفل، بينهم ألف طفل من ذوي الإعاقة.[6]

وقال شيبان: "ستساعد تلك المستلزمات الترفيهية في تهيئة بيئات أكثر أماناً وتنظيماً، حيث يمكن للأطفال العودة إلى روتينهم اليومي، والتعبير عن مشاعرهم، ومواصلة التعلم حتى في ظل أوضاع الأزمات."

ومن منظور نفسي، لا يمكن النظر إلى اللعب باعتباره نشاطاً ثانوياً يمكن الاستغناء عنه في أوقات الأزمات، فالأطفال الذين يعيشون تحت تهديد مستمر يحتاجون إلى مساحات تساعدهم في التعبير عن مشاعرهم واستعادة شيء من الإحساس بالأمان والروتين.

وبدورها، ترى الأخصائية النفسية هالة سكر[7] أن غياب النشاطات الترفيهية المنظمة يجعل وقت الفراغ لدى الطفل بيئةً خصبةً للإحباط والاجترار الذهني، إذ يعود الطفل تلقائياً لاسترجاع المشاهد الصادمة التي عاشها، مشيرةً إلى أن الأطفال في غزة يعانون اليوم جرَّاء حالة "فرط اليقظة"، إذ يمضون أوقاتهم في مسح البيئة المحيطة بحثاً عن مؤشرات الخطر والتهديد، وهو ما يغذي حلقة القلق المستمر بدلاً من كسرها.

وقالت سكر إن اللعب يشكل الأداة الطبيعية الأساسية التي يعالج بها الطفل مشاعره وخبراته الجسدية، مؤكدةً أن غياب هذه المساحات يؤدي إلى فقدان صمام الأمان الانفعالي، وهو "ما يتسبب بظهور نوبات انفجارية من الغضب أو التبلد والانسحاب الوجداني."

كما بينت سكر أن العزلة عن الأقران تمنع الطفل من بناء كفاءته الذاتية وتضعف شبكات الدعم الاجتماعي، "وهو ما يترجَم عموماً إلى أعراض جسدية ونفسية كالصداع واضطرابات النوم والشكاوى الجسدية المبهمة"، مشيرةً إلى أن "الجسد يختزن الصدمة عندما يغيب التفريغ الحركي واللعب."

وتشير سكر إلى أن "وطأة هذا الواقع تزداد حين يتحمل الأطفال مسؤوليات تفوق أعمارهم، كجلب المياه والخبز، والوقوف في الطوابير، ومساعدة أسرهم في تدبير الحاجات اليومية"، وتبيِّن أن استمرار تلك الأعباء قد يفرض على الطفل "نضجاً قسرياً، وخصوصاً عندما تأتي على حساب اللعب والتعليم والراحة."

كما تقول إن "المشكلة ليست في مساعدة الطفل لأسرته بحد ذاتها، إنما في أن تتحول المسؤولية إلى عبء يومي داخل سياق من الخوف والحرمان والنزوح، فيجد الطفل نفسه ممزقاً بين حاجته الطبيعية إلى اللعب والحماية، وضرورة المساهمة في تأمين حاجات أسرته."

وبحسبها، فإن محدودية الترفيه لا تنفصل عن أزمة المكان، فـ "المبادرات الصيفية نفسها تعمل في أوضاع شديدة الصعوبة داخل الخيام، حيث الحرارة المرتفعة وضيق المساحات ونقص التجهيزات تحد من طبيعة النشاطات وقدرة الأطفال على الحركة"، لافتةً إلى أن المساحات الخارجية التي كان يمكن أن توفر متنفساً للأطفال طالها الدمار كثيراً "بينما تحولت مساحات أُخرى إلى مواقع للنزوح والسكن، وبذلك يصبح السؤال: أين يمكن للطفل أن يلعب؟ وهذا جزء من سؤال أوسع بشأن ما تبقَّى من بيئة الطفولة في غزة."

في غزة، لم تعد الإجازة الصيفية مجرد فترة راحة، بل أيضاً أصبحت اختباراً لما تبقَّى من الطفولة نفسها، فبين ضرورات البقاء وجلب المياه، يقتنص الأطفال لحظات خاطفة لكرة القدم أو اللعب يبتعدون فيها عن أعباء الحرب، لذا، فإن توفير المساحات الآمنة والدعم النفسي ليس رفاهاً يمكن تأجيله إلى ما بعد الحرب، إنما هو جزء من حماية الطفل الآن، وشرط أساسي لاستعادة شيء من حياته المسلوبة.


فلسطين العدو الإسرائيلي المجازرالإبادة الجماعية

11:52 2026/09/14 : أضيف بتاريخ


معرض الصور و الفيديو
 
تابعونا عبر الفيس بوك
الخدمات
البريد الالكتروني
الفيس بوك
 
أقسام الموقع
الصفحة الرئيسية
سجل الزوار
معرض الصور و الفيديو
خدمة البحث
البحث في الموقع
اهلا وسهلا بكم في موقع حرمات لرصد إنتهاك المقدسات