“خمسة دونمات فقط اللي حصدتهم من أصل 150 دونماً، حصدتهم بالسرقة، كأني غريب عن الأرض” يقول ناصر أبو عبيد الذي لم يخسر موسم القمح لهذا العام فقط، بل خسر أرضه حيث أقام المستوطنون بؤرة رعوية على أرضهم في قرية الفخيت في مسافر يطا. يستدرك ناصر: “مش متخيّل مستوطن هامل بالسوالف سرق كل الحصاد ومنعنا نوصل أراضينا”.
هذا ليس حال ناصر فقط، بل حال كل مزارعي الضفة، فأكثر من 70% من الأراضي لم تُزرع بالقمح هذا العام – كما جرت عليه العادة – وخاصة بعد ضم الاحتلال الأغوار الشمالية التي تعتبر سلة الحصاد الفلسطينية. فحسب مدير عام اتحاد المزارعين الفلسطينيين، عباس ملحم، فإن الاحتلال ومستوطنيه أخضعوا نحو 75% من أراضي الأغوار لسيطرتهم، واستولوا على نحو 70% من مساحة أراضي الضفة المصنفة “ج”.
الموسم المنهوب من مسافر يطا
“هذه الأرض تعادل الروح”، يصف ناصر علاقته بأرضه التي تختنق كل يوم. يضيف لـ “متراس”: “لكن الأرض تضيق عليّ كل يوم. أنا وعائلتي نملك 295 دونماً، كنا نزرع منها نحو 150 دونماً بالقمح، ونعتمد عليه في الطحين، وعلى الشعير لإطعام الأغنام والأبقار”.
كانت أراضي عائلة أبو عبيد تنتج نحو 280 شوالاً من القمح والشعير، أي ما يقارب 17 طناً. ولم يكن محصول الأرض يقتصر على تأمين احتياجات العائلة، إذ يقول ناصر: “كنا نطعم الدواب معنا (…) من أين نشتري الشعير للحيوانات، والأسعار مرتفعة جداً! كنا نحصد القمح مبكراً قبل موسمه، فبدلاً من أول أيام الحر في شهر أيار/ مايو، كنا نحصد بعد انتهاء فصل الشتاء مباشرة في شهر نيسان/ أبريل، لأن درجات الحرارة عندنا مرتفعة في المسافر”.
بعد انتهاء الحصاد المبكر، كانت العائلة تطلق الأغنام لترعى ما تبقى من المحصول، يعلق ناصر: “لكن المستوطن الذي أقام بؤرة على أراضينا في الفخيت، ومستوطنو مستوطنة ماعون، لم يتركوا لنا شيئاً، ولا حتى للحيوانات”.
أطلق أبو عبيد أنفاسه الموشّحة بالحزن: “نشّفوا ريقنا (…) طوال شهر رمضان وقفنا على أرجلنا منذ طلوع الشمس حتى غروبها، نحرس الأراضي بانتظار موعد الحصاد، لكن بلا نتيجة، لم نحصد سنبلة واحدة في ذلك الوقت، واستولوا على المحصول قبل نضوجه”.
لا تقتصر معاناة المزارع على اعتداءات المستوطنين، بل تمتد إلى غياب الدعم، يعلق أبو عبيد: “والله لم يتواصل معي أحد من الجهات المسؤولة لتعويضي، إلا أنهم عوضوني بسلك شائك خرّبه المستوطنون في محيط الأرض، أما خسائر القمح فلم يلتفت إليها أحد”.
سياج الاستيطان يحاصر عرب الرشايدة
حال أبو عبيد لا يختلف عن عشرات المزارعين الذين غابت قصصهم، وغابت معها تغطية خسائر موسم حصاد القمح. ففي بيت لحم الشرقية، تعيش مئات العائلات من عرب الرشايدة على تلالها الشرقية، ويبلغ عدد أفراد الرشايدة نحو ستة آلاف فلسطيني يعتمدون على الزراعة والثروة الحيوانية بشكل أساسي، ويشكلون “الدرع الحامي للحدود الشرقية في مواجهة تمدد الاستيطان”.
تحاصر المستوطنات تجمع عرب الرشايدة من كل الجهات، فمن الشمال مستوطنة “معالي عاموس”، و”إيبي هناحل” شمالاً وغرباً، و”ميتساد” جنوباً وغرباً، وتضاف إليها بؤر رعوية وزراعية على أطراف الجبل تقطع أحبال التواصل بين تجمعات الرشايدة.
وقد تعرّضت مئات الدونمات في أراضي عرب الرشايدة، التي تبلغ مساحتها 47,841 دونماً، للحرائق بفعل قنابل أطلقها جيش الاحتلال عشوائياً، ما أدى إلى احتراق محاصيل المزارعين، كما يروي رئيس مجلس عرب الرشايدة، بكر رشايدة، لـ “متراس”.
لم تقتصر الاعتداءات على حرائق جيش الاحتلال، بل امتدت إلى عربدة المستوطنين. يقول بكر: “مستوطن سرق عشرات رؤوس الأغنام، وتحرّك ومعه 30 رأساً من الغنم (…) حرثوا أراضينا، وأينما وجدوا محاصيل أطلقوا الأغنام لتخريبها، وهذا مستوطن مسلح، ومعه مستوطنون آخرون، وجميعهم محميون من الجيش”.
نحو 70% من مساحة أراضي عرب الرشايدة كانت تُزرع بالقمح في موسمه، بما يكفي لتأمين احتياجات السكان من الطحين والعلف الذي كانوا يخزنونه لعام كامل حتى حلول الموسم التالي، ويقدّر إجمالي حصاد الموسم الأخير قبل التراجع بنحو 50 طناً.
يعلق بكر الرشايدة: “نحن مجتمع يعيش على الثروة الحيوانية، لا يوجد منّا 5% موظفين، جميعنا نعيش على ما تخرجه الأرض، وما نفلح بها، لكن من بداية هذا العام والاحتلال يكثف هجماته واعتداءاته علينا”.
ورغم ذلك كله، لم يلق مزارعو عرب الرشايدة أي دعم أو مساندة، إذ يبين بكر الرشايدة أن وزارة الزراعة أطلقت مشروعاً لدعم المزارعين في محافظة بيت لحم قبل نحو ثمانية أشهر، لكن أياً من مزارعي التجمع لم يستفد منه.
سياسات غائبة وحلول بغير موازنات
بحثاً عن أجوبة حول ما تقدمه السلطة للمزارعين في معركتهم مع المستوطنين، يوضح مدير عام اتحاد المزارعين الفلسطينيين، عباس ملحم، لـ “متراس”، أن الحكومة لا تنفذ سياسات تحفيزية حقيقية لدعم المزارعين.
ويسأل ملحم: “لماذا لا تقدم الحكومة البذور والسماد للمزارع، ثم تشتري منه المحصول بأفضلية سعرية، مع إعفاءات ضريبية، خاصة أن القمح يُزرع في المناطق المهددة، ولا يمثل سوى نحو 5% من إجمالي الاحتياج السنوي؟ هذا الإجراء وحده كفيل برفع مستوى الأمن الغذائي”.
ويقترح أيضاً أن تُلزم الحكومة الشركات والمصانع المحلية المعنية بشراء كامل محصول القمح من المزارعين قبل الشروع في استيراده من الخارج.
بعض الحلول لا تتطلب موازنات مالية كبيرة، بقدر ما تحتاج إلى قرار سيادي، حسب ملحم. فعلى سبيل المثال، لو نفذت الحكومة حملات لتحفيز المزارعين عبر توزيع “مناجل” الحصاد عليهم، فلن تتحمل كلفة تُذكر، في مقابل المساهمة في خفض تكلفة الإنتاج. كما يمكنها إطلاق حملة لتشجيع الزراعة البينية، من خلال توزيع بذور وأشجار تُزرع بين المحاصيل، بما يتيح للمزارع تنويع إنتاجه وعدم الاكتفاء بمحصول واحد.
الصمود لا يُبنى بالشعارات
يقترح ملحم أن تبادر الحكومة إلى زراعة القمح في الأراضي التي تعذر على أصحابها الوصول إليها خلال العامين الماضيين، تجنباً لاستيلاء الاحتلال عليها بذريعة تركها دون استغلال لمدة ثلاث سنوات.
قبل عام 2023 اقترح اتحاد المزارعين الفلسطينيين على الحكومة إنشاء صندوق طوارئ لدعم صمود المزارعين، يعلق ملحم: “الصمود لا يُبنى بالشعارات عبر التلفاز والإذاعة (…) المقترح ينص على تخصيص 30 – 35 مليون شيكل لهذا الصندوق، وهي ميزانية ليست كبيرة، لكنها كفيلة بإسناد المزارعين وتقديم الدعم الفوري لهم عند تعرضهم للكوارث، وفي مقدمتها اعتداءات المستوطنين المتكررة، ولكن لم يتم تنفيذ المقترح”.
ويضيف ملحم: “بدك المزارع يصمد في أرضه؟ انسرقن قمحاته، لو تم تعويضه خلال 24 ساعة، وأعطيته أعلاف وقمح وقلت له اصمد، سيصمد. أما إذا انسرق مصدر رزقه، وضرب أولاده، بأي كلام ندعوه للصمود؟ المثل الفلاحي بقول: جبناك يا عبد المعين لتعين. وهذا حال الحكومة”.
رصدٌ مفقود لمعركة السنابل
لا توجد جمعيات متخصصة تُعنى بالقمح الفلسطيني، كما تفتقر المؤسسات الأهلية والرسمية إلى إحصاءات دقيقة عن هذا المحصول. ويعزو ملحم ذلك إلى أن زراعة القمح تتغير من عام إلى آخر وفق تقديرات المزارعين، فضلاً عن ارتفاع احتمالات خسارته بفعل عوامل قسرية أو إرادية، إلى جانب محدودية إنتاجه مقارنة بحجم الاحتياج السنوي.
يقول ملحم: “لا يوجد لدينا أرقام دقيقة عن هذا الموسم، ولا عن الذي قبله، ولا يوجد لدى الحكومة أيضاً، ولا توجد وحدات رصد تدرس كل موسم زراعي من جميع الجوانب”. والمفارقة أن أي جهة لا تملك رقماً نهائياً ودقيقاً يوثق حجم الاستهدافات الإسرائيلية التي طالت محصول القمح خلال العام.
ويقدّر ملحم أن المساحات المخصصة لزراعة القمح كانت تشكل في السابق نحو ربع الأراضي الزراعية في الأغوار، أي ما يقارب 78 ألف دونم من أصل 350 ألف دونم (على الأقل). إلا أن نحو 90% من الأراضي الزراعية في الأغوار لم تعد تُزرع اليوم، بسبب منع المزارعين من الوصول إليها، أو تدميرها، واستحالة إعادة استصلاحها.
أما المعلومات المتاحة لدى وزارة الزراعة حول موسم حصاد القمح، فتشير إلى أنها رصدت منذ بداية الموسم وحتى أيار/ مايو المنصرم، 127 حادثة إشعال حرائق نفذها مستوطنون عمداً في الحقول والسهول الزراعية، ما أدى إلى تفحّم مئات الدونمات المزروعة بالقمح والشعير في مختلف مناطق الضفة الغربية، بحسب الناطق باسم وزارة الزراعة، محمود فطافطة، لـ “متراس”.
ويقدّر فطافطة مساحة كل حريق من هذه الحرائق بما يتراوح بين 50 و150 دونماً، ما يعني أن المساحة المتضررة لا تقل عن 10 آلاف دونم، وقد تصل إلى 19 ألفاً. كما بلغت الخسائر المباشرة التي تكبدها المزارعون نحو 600 ألف دولار خلال الأسابيع الأولى من موسم الحصاد.
وفي رده على سؤال بشأن تعويض المزارعين، يقول فطافطة: “نحن لا نقدم تعويضات؛ لأن المتسبب في الضرر (الاحتلال) هو المطالب بدفع التعويضات، غير أننا نقدم مساعدات للمزارعين، وقدّمنا هذا العام مساعدات بقيمة تقارب 11 مليون دولار، وُزعت على 390 مزارعاً تضرروا من اعتداءات الاحتلال ومستوطنيه”. ويضيف أن الحكومة تعتزم أيضاً تقديم حزمة جديدة من الدعم الزراعي، تُقدّر بملايين الدولارات، خلال المرحلة المقبلة.
تبدو الحلول كلّها متأخرة، “كأنها قولٌ لا يجدي، ما لم يسعفه فعل”؛ هكذا يصف المزارعون واقعاً مراً بعدما خسروا موسمهم الحالي، ليعلّقوا آمالهم على موسمٍ قادمٍ يخرجون منه بأقلّ الأضرار، بعد أن باتت الخسارة في عرفهم “تحصيل حاصل”.
ويختصر المزارع أبو عبيد هذا المشهد بقوله: “الصمود هو المنجل الذي نواجه به المستوطن، الذي يتلقى راتباً شهرياً مقابل سرقة أراضينا ومحاصيلنا”. فيما يلخص ملحم مفارقة الصراع على الأرض قائلاً: “تكلفة إنتاج القمح لدى المستوطن تبلغ صفراً لأنه سارق، وهو ذات الرقم الذي حصده المزارع الفلسطيني المسروق”.