الحرب على الأرحام.. ارتفاع غير مسبوق في حالات الإجهاض بقطاع غزة
في وقتٍ تحولت فيه الحرب إلى تهديد مباشر للصحة الإنجابية، تسجل المستشفيات في قطاع غزة ارتفاعاً غير مسبوق في حالات الإجهاض، في ظل القصف المستمر، وسوء التغذية، وانهيار المنظومة الصحية.
ووفق بيانات حديثة لوزارة الصحة في غزة ارتفعت معدلات الإجهاض بصورة مقلقة، إذ وثقت الوزارة تزايداً كبيراً في حالات الإجهاض للنساء الحوامل في القطاع، في وقت تزايدت حالات الولادة لأجنة يعانون تشوهات خلقية، بعضها توصف بأنها نادرة.
وكشف تقرير حديث صادر عن وزارة الصحة بغزة أرقاماً صادمة لحالات الإجهاض والمواليد الذين يعانون تشوهات، وجاء التقرير تحت عوان: "حالات الإجهاض في زمن الحرب والتداعيات الكارثية"، حيث وثق التقرير الانهيار الوبائي والديموغرافي بقطاع غزة بين يناير 2025 وأبريل 2026، والذي يؤكد تدهوراً حاداً في قدرة البيئة الرحمية على دعم حياة الجنين.
وبحسب التقرير الصحي، فإن 57% هو متوسط معدل فقر الدم (الأنيميا) بين النساء الحوامل في غزة، والذي يبلغ ضعف المعدل العالمي، محذراً (أي التقرير) من أن فقر الدم يجسد انهيار الأمن الغذائي، حيث تستنزف الأمهات بيولوجياً قبل أن يفقدن أجنتهن.
كما يسجل التقرير تراجعاً في عدد مواليد قطاع غزة، فبينما بلغ عددهم في نوفمبر الماضي 6076 مولوداً، انخفضوا في أبريل 2026 إلى 2004 مواليد، بنسبة تراجع 67%.
وأشار التقرير إلى حالة الاستنزاف الجنيني، حيث لم يعد النظام قادراً على تعويض الخسائر البشرية، وبات الإجهاضُ المستنزِفَ الرئيسي للنمو السكاني.
ورصد التقرير 385 حالة تشوه خلقي لدى الأجنة، عازياً ذلك الارتفاع إلى الحرب، والتجويع الذي تعرّض له القطاع، والنزوح في الخيام، ومصادر المياه الملوثة.
وذكر أن 70.7% نسبة الزيادة المتوقعة في حالات الإجهاض خلال 2026، محذراً من أن يكسر العام الجاري حاجز الـ 500 حالة إجهاض لكل 1000 مولود، فيما ستواجه نحو نصف حالات الحمل في غزة مضاعفات، مما يعمق أزمة التراجع السكاني غير القابل للاستدراك.
وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية عن بالغ قلقها لتلك الأرقام التي وصفتها بالخطيرة، مشيرة إلى أن ثمة توقعات بوصول معدل الإجهاض في يونيو من العام الحالي إلى 500 حالة لكل ألف جنين، تزامناً مع استمرار نقص الرعاية الطبية وتراجع التغذية في المناطق كافة.
سوء التغذية
ويؤكد استشاري النساء والولادة في مجمع ناصر الطبي، الدكتور ماهر كوارع، أن ما يشهده القطاع اليوم لم يسبق له مثيل خلال سنوات عمله الطويلة، قائلاً إن "حالات الإجهاض تضاعفت بشكل غير مسبوق، حتى باتت أجيال تنتهي قبل أن تبدأ".
ويشير كوارع لـ"الخليج أونلاين" إلى أن قسم النساء والولادة في مجمع ناصر يستقبل حالياً عدداً مرتفعاً من حالات الإجهاض، في حين كان العدد قبل الحرب يقتصر على حالة أو حالتين فقط، وهو ما يعكس حجم التغير الذي فرضته الحرب على صحة النساء الحوامل.
ويرجع الطبيب هذا الارتفاع إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها التعرض المباشر للقصف أو العيش بالقرب من مناطق الاستهداف، حيث تتسبب الانفجارات المتكررة بحالات هلع وخوف شديد تؤثر بشكل مباشر على استقرار الحمل، إلى جانب استنشاق الغبار والمواد الناتجة عن القصف، والتي قد تزيد من المخاطر الصحية على الأم والجنين.
كما يشير إلى أن النزوح المتكرر يمثل عاملاً رئيسياً آخر، إذ تضطر النساء الحوامل إلى الركض هرباً من القصف أو السير مسافات طويلة وهن يحملن أمتعتهن، قبل أن يجدن أنفسهن في خيام تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وتتعرض لدرجات حرارة مرتفعة صيفاً وبرودة قاسية شتاءً، وهو ما يضاعف احتمالات فقدان الحمل.
ولا تتوقف أسباب الإجهاض عند الضغوط النفسية وظروف النزوح، بل تمتد إلى الأزمة الغذائية الحادة التي تعصف بالقطاع.
وأوضح كوارع أن غالبية الحوامل يعانين من نقص شديد في العناصر الغذائية الأساسية، إضافة إلى نفاد المكملات الغذائية الضرورية خلال الأشهر الأولى من الحمل، وعلى رأسها حمض الفوليك (Folic Acid)، الذي يعد عنصراً أساسياً لنمو الجنين والوقاية من التشوهات الخلقية.
ويضيف أن الحوامل اللواتي يتمكنّ من الحصول على بعض المكملات الغذائية لا يحصلن إلا على كميات محدودة جداً، لا تكفي لتغطية الاحتياجات اليومية، في وقت أصبحت فيه الصيدليات شبه خالية من مثبتات الحمل والفيتامينات الأساسية، نتيجة استمرار الحصار وتعطل سلاسل الإمداد.
ويرى كوارع أن استمرار الحرب وحرمان النساء من الغذاء والرعاية الصحية والأدوية يهدد بمزيد من التدهور في مؤشرات الصحة الإنجابية، محذراً من أن الأرقام المسجلة اليوم قد تكون مقدمة لواقع أكثر خطورة إذا استمرت الأوضاع الإنسانية والصحية على حالها.