تأخر الإجلاء الطبي في غزة.. الجرحى بين الانتظار والموت
لم تكن الطفلة ألين قد أكملت شهرها الثاني حين بدأ والدها رحلة طويلة من المناشدات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، باحثاً عن فرصة تنقذ حياة طفلته التي كانت بحاجة إلى العلاج خارج قطاع غزة.
يوماً بعد يوم كان الأب يكتب مناشداته، مخاطباً المؤسسات الدولية وكل من يستطيع المساعدة، مؤكداً أن طفلته حصلت بالفعل على تحويلة طبية، لكنها ما زالت تنتظر دورها في الإجلاء. وبين انتظار الموافقات وتأخر السفر، كانت حالتها الصحية تتدهور باستمرار، حتى سبقها الموت إلى النهاية، لتفارق الحياة قبل أن تغادر القطاع.
قصة ألين أصبحت عنواناً لمعاناة آلاف المرضى والجرحى في قطاع غزة، الذين يمتلك كثير منهم تحويلات طبية وتقارير تؤكد حاجتهم للعلاج خارج القطاع، إلا أن بطء إجراءات الإجلاء واستمرار القيود المفروضة على السفر يحولان العلاج إلى سباق مع الزمن، يخسره كثيرون قبل الوصول إلى المستشفى.
ويقول المدير العام للمستشفيات في قطاع غزة الدكتور محمد زقوت إن عدد المرضى والجرحى الذين تمكنوا من مغادرة القطاع للعلاج لا يتجاوز 1280 حالة، بينما يزيد عدد التحويلات الطبية المستحقة للسفر على 17700 تحويلة، موضحاً أن إجراءات الموافقات الأمنية تستغرق أسابيع طويلة، وهو ما يؤدي إلى تدهور حالات المرضى، وقد يفضي في بعض الأحيان إلى وفاتهم قبل موعد الإجلاء.
بطء متعمد
المدير العام للمستشفيات في قطاع غزة حذر من تفاقم معاناة المرضى والجرحى المحتاجين للعلاج خارج القطاع، في ظل استمرار العراقيل التي تعيق سفرهم، مؤكداً أن أعداد المغادرين للعلاج ما تزال محدودة للغاية مقارنة بآلاف الحالات التي تنتظر الحصول على فرصة للعلاج.
ويؤكد زقوت لـ"الخليج أونلاين" أن عدد المرضى الذين يتمكنون من السفر للعلاج في الخارج ما يزال محدوداً جداً مقارنة بحجم الاحتياج الفعلي، موضحاً أن عدد من غادروا القطاع للعلاج لم يتجاوز 1280 مريضاً وجريحاً، في حين تتجاوز التحويلات الطبية المستحقة للسفر 17700 حالة.
وقال زقوت: إن "الاحتلال يفرض جملة من العقبات أمام تنظيم هذه العملية، رغم وجود حالات تستحق السفر بشكل عاجل أكثر من غيرها والكشوفات التي تُرسل للحصول على الموافقات الأمنية تستغرق فترات طويلة تتراوح بين أربعة وستة أسابيع، الأمر الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى تدهور الحالة الصحية للمرضى خلال فترة الانتظار".
وأوضح أن الاحتلال لا يعيد الكشوفات وفق الترتيب الذي أُرسلت به أو بحسب الأولويات الطبية المحددة، وإنما تصل الموافقات بصورة عشوائية، إلى جانب حرمان عدد من المرضى المستحقين من السفر.
ويشير إلى أن الاحتياجات المتزايدة للمرضى والجرحى لا تُقابل إلا بمزيد من الإهمال والعشوائية والتأخير من جانب الاحتلال، فضلاً عن استمرار منع إدخال الأدوية والمستهلكات الطبية والأدوات اللازمة لإجراء العديد من العمليات التي كانت تُنفذ في قطاع غزة وما يزال بالإمكان تنفيذها.
وبين أن العقبة الكبرى أمام إجراء عدد كبير من العمليات الجراحية تتمثل في عدم توفير المواد الطبية والأدوية والمستهلكات الضرورية، مستشهداً بعمليات القسطرة القلبية التي كان ولا يزال بالإمكان إجراؤها داخل القطاع، إلا أن الاحتلال يتعمد منع إدخال الدعامات القلبية اللازمة لإتمام هذه العمليات.
وأضاف أن هذا الواقع تسبب في توقف تلك الخدمات، ما دفع المرضى إلى اللجوء للتحويلات الطبية خارج القطاع، لافتاً إلى أن بعض المرضى يفقدون حياتهم أو يتعرضون لجلطات قلبية أثناء انتظار الحصول على هذا الإجراء الطبي العاجل.
كما يؤكد أن هذه التعقيدات والتأخيرات تتزامن كذلك مع تأخير من قبل منظمة الصحة العالمية، التي تخرج المرضى ثلاثة أيام فقط أسبوعياً بدلاً من خمسة أو ستة أيام.
وشدد على أن الجهات الصحية ما تزال تضغط على المنظمة لرفع العدد من 90 حالة مع مرافق إلى 150 حالة مع مرافق، وعلى الأقل لمدة خمسة أو ستة أيام أسبوعياً، بما يسهم في تمكين أكبر عدد ممكن من الجرحى والمرضى من السفر وتلقي العلاج.
وتواصل اللجنة الفنية، بحسب زقوت، أداء مهامها بصورة منتظمة ومهنية، من خلال تقييم الحالات ودراسة الأولويات عبر نخبة من الاستشاريين والمختصين الذين يشاركون بشكل جماعي في مراجعة الحالات وإعداد الكشوفات المستحقة للسفر.
وتشمل الحالات مرضى الأورام وأورام الأطفال وأمراض الدم ونقص المناعة وزراعة الكلى، إلى جانب عشرات التشخيصات الطبية المهمة، مؤكداً أن الأولوية في كل تخصص تُحدد وفق درجة خطورة الحالة.
تحذير أممي
منظمة الصحة العالمية المسؤولة عن إجلاء المرضى والجرحى من غزة حذرت بصورة متكررة من أن وتيرة الإجلاء الطبي لا تتناسب مع حجم الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن آلاف المرضى ما زالوا ينتظرون الحصول على فرصة للعلاج المنقذ للحياة.
وتشير المنظمة إلى أن أكثر من 16 ألفاً و500 شخص، بينهم نحو 4 آلاف طفل، يحتاجون بصورة عاجلة إلى الإجلاء الطبي من قطاع غزة.
وبحسب المنظمة، فإن عمليات الإجلاء تسير بوتيرة بطيئة للغاية، رغم استمرار الحاجة الملحة، حيث أكدت في بيانات سابقة أن استمرار التأخير يعني تدهور حالات المرضى ووفاة بعضهم قبل حصولهم على العلاج المناسب، داعية إلى تسريع الموافقات وفتح جميع الممرات الممكنة أمام عمليات الإجلاء الطبي.
وتوضح بيانات منظمة الصحة العالمية أن عمليات الإجلاء تجري عبر آلية تبدأ بتحويل الحالة من الطبيب المعالج، ثم مراجعتها من لجنة التحويلات الطبية، قبل أن ترفع إلى المنظمة للتنسيق مع الدول المستقبلة، ثم تحال إلى سلطات الاحتلال الإسرائيلية للحصول على الموافقات الأمنية، وهي مرحلة كثيراً ما تستغرق وقتاً طويلاً أو تنتهي برفض الطلب أو تأجيله.