قلقٌ صاخبٌ يحتل روتين الناس هنا. خوف يرافق كلّ ضحكة. نعرف كلّنا، في كلّ لحظة، إنّ المصيبة قادمة، وأننا اللاحقون في مسلسل الدم.
فلسطين، الأرض المحتلّة عام 1948. هذه ليست غزّة. للمجزرة هنا هيئة أخرى: عشوائيّة المظهر، معقّدة البنية، ملفوفة بالصّمت، ولا نهاية لها في أيّ أفقٍ منظور. الأهم أننا في هذه المجزرة قتلة أنفسنا. لكن لا تخطئوا: هي مجزرة إسرائيليّة مكتملة الأركان، لكنّنا فيها الجلّادون بحقّ أنفسنا، ننفذ بأيدينا مصيرًا كتبته علينا حكومات الاستعمار الصهيونيّ عبر 78 عامًا من النّكبة.
قضيّة العنف المجتمعيّ والجريمة المنظّمة صارت العنوان الأساسيّ لمأساة الفلسطينيين داخل إسرائيل. لم تعد أحداث متفرّقة ولا ظاهرة مستجدّة. الحقيقة أنّها صارت بنية مجتمعيّة مهيمنة، كاملة، تحكم كافّة تفاصيل الحياة اليوميّة في النقب والجليل والمثلث ومدن الساحل “المختلطة”، بمشاركة فاعلة من أجهزة الدولة. لم يعد إنسان آمناً من الجريمة، ولا مساحة إنسانيّة ومجتمعيّة إلا والعنف قد اخترقها. وبات يصعب أن تتخيّل فلسطينيًا واحدًا في الداخل لا تربطه صلة، وإن كانت بعيدة، بعنف الجريمة المتفشّي.
أكثر من 1122 قتيلًا منذ العام 2020 وآلاف الجرحى. إطلاق نارٍ شبه يوميّ في شوارع القرى والمدن، والسلاح الذي ندر جدًا وجوده في بيوتنا قبل عقدٍ من الزمان، صار الآن منتشرًا بما يستحيل قياسه. فالتقديرات الشائعة لدى المؤسسة الإسرائيليّة تتراوح بين 000 8 و400 ألف قطعة سلاح. أو بكلمات أخرى: لا أحد يعرف شيئًا. المؤكد أن العصابات هنا تمتلك ما لذ وطاب، من مسدّسات ورشاشات أوتوماتيكيّة، وصولًا إلى قذائف الـ RPG والهاون والعبوات الناسفة والدرونز المعدّلة لإلقاء القنابل وغيرها. كلها تحصد أرواحًا، منها أرواح متورّطين بالجريمة ومنها مئات الأبرياء تمامًا، تدمّر العائلات وتجعل الحياة في بلداتنا لا تُحتمل.
لعنف الجريمة ما لا يُحصى من التمظهرات. من السطو المسلّح وتجارة المخدّرات، إلى استخدام السلاح في أصغر الخلافات الشخصيّة والعائليّة، وتحويل مسلسلات الثارات إلى أعراس دمٍ لا نهائيّة. لكن لكي نفهم تحوّل الجريمة بنيةً مجتمعيّة متكاملة علينا النظر إلى ثلاثة أعمدةٍ ماليّة تقوم عليها المنظّمات: القروض السوداء، الخاوة، والمناقصات الرسميّة.
تعاملت إسرائيل مع المجتمع الفلسطينيّ في الداخل وفق مبدأ بسيط: أنه مجتمع رعايا حرب، تجمّعات شعبٍ معادٍ يُحكم بالمنطق الأمنيّ، تتحمّل الدولة بعض مسؤوليّاتها بالحد الأدنى من الحقوق والخدمات، لكن كل ما يحدث اجتماعيًا داخل هذه “المنطقة المعتمة” يبقى ضمن المنظور الأمنيّ وليس شأنًا مدنيًا من شؤون الدولة والمواطنة. تحت هذا الحكم، حاولت إسرائيل لعقود أن تبقي فلسطينيي الداخل خارج السياسة والتاريخ، رعايا خاضعين لا يهزّون اقتصادًا ولا يزعزعون السياسة. لا حافظوا على بنيتهم التقليديّة العائليّة، ولا جزء من المؤسسات المدنيّة للدولة، ولا اندفعوا لأنماط “حداثة” رأسماليّة فردانيّة تراكم ثروات وقوى ماليّة.
يحاجج هذا المقال بأن الجريمة المنظّمة في فلسطين المحتلّة عام 1948 هي باتت نظامًا فاعلًا وظيفته الإبقاء على عدميّة هذا المجتمع، وتشويه إمكانيّات تحوّله لأي قوّة اجتماعيّة-سياسيّة-اقتصاديّة فارقة في ظل النظام الاستعماريّ. يحاول المقال أولًا، فهم علاقة القروض السوداء بزعزعة البُنية العائليّة، وثانيًا، علاقة “الخاوة” بمراكمة الملكيّة الخاصّة والثروة والقوّة الاستثماريّة، وثالثًا، علاقة سرقة الميزانيّات الرسميّة بتعامل الفلسطينيين مع مواطنتهم التي تمثّلها المؤسسات المدنيّة في قراهم ومدنهم.
فوائد شهرية فلكيّة
كانت القروض السوداء واحدة من علامات قيام هذه الحقبة الدمويّة. أفراد وعائلات بأوضاع اقتصاديّة إشكاليّة، يحتاجون مبلغًا ماليًا طارئًا (مثل دفع كفالةٍ لإطلاق سراح ابنٍ، أو شراء حصة أخٍ من الميراث لئلا يُباع للغرباء، إلخ) أو غير طارئٍ (للقمار، أو لشراء سيّارةٍ فارهةٍ) ولا يستطيعون الحصول عليه لا من المصرف ولا من دوائرهم الاجتماعيّة. يتوجّه هؤلاء لمقرضين مرتبطين بمنظّمات الجريمة. يحصلون على قروضٍ بفوائد شهريّة فلكيّة (قد تصل 10% على المبلغ المتراكم) من شأنها تضخيم القرض بثلاثة أضعاف خلال عامٍ واحدٍ.
ويُمكن أن يحصل الأمر نفسه دون أن يستدين الإنسان من هذه المنظّمات أصلًا، فيما يُسمّى “بيع الدين.” فيكفي أن يتأخر شخص عن سداد دين لمتجرٍ أو شخصٍ آخر، فيقرر الدائن أن يتوجّه لمنظّمة إجراميّة للحصول على أمواله. تدفع له المنّظمة نسبة تكفيه من المبلغ، ثم تنهي هي حساباتها مع المَدين بفوائد هائلة وجباية بالتهديد والعنف.
يجر التأخر في سداد الدين مسلسل جبايةٍ لا يطال المدين فقط، إنما بيته وعائلته، ثم عائلته الموسّعة من أخوة وأولاد عمٍ وأنسباء وغيرها. فالضمانة ليست فرديّة بل اجتماعيّة واسعة. تدريجيًا، تبدأ التهديدات بإطلاق النار على السيّارات أو البيوت أو إلقاء القنابل، ثم إطلاق النار لإيقاع إصابات جسديّة، والتوسّع نحو استهداف دوائر اجتماعيّة للمدين، ما يضع عائلات كثيرة في دائرة الاستهداف. في حالات كثيرة، تنتهي القضايا إلى استيلاء الدائن على أملاكٍ للمدين وعائلته، مثل محله التجاريّ أو منزله أو أرضه.
إن الفارق في هذه المرحلة أنّها وسّعت دائرة الجريمة لتبتلع فئات واسعة لم تكن قريبة منها إطلاقًا. ترجمت هذه الجريمة التورّط الفرديّ بالديون إلى تورّط عائليّ موسّع ينتج ردود أفعالٍ كارثيّة. أبسطها أن يبيع الناس أملاكهم من أراضٍ وبيوت لسد دينٍ لم يأخذوه. في واقعٍ عمرانيّ شحيح وشديد التعقيد - بسبب مساحات بناءٍ مخنوقة بفعل المصادرات، واستحالات قانونيّة تتعلّق بالخرائط الهيكليّة وتراخيص البناء، وغيرها من الأسباب، تُخلق خلافات وتوترات خطيرة مرشّحة للانفجار في كل لحظة. والأخطر ردود أفعال أخرى تشمل تسلّح العائلات بغية الدفاع عن نفسها أمام هذه التهديدات. أو اللجوء إلى منظّمات إجراميّة أخرى أمام المنظّمات التي تهددها، ما يُخضع العائلة وأفرادها إلى ضغوطات أخرى مستقبليّة.
بمفهوم العائلة الموسّعة- وهذه أساسيّة في التركيبة الاجتماعيّة المحليّة، أكثر حضورًا من العائلة النوويّة، وأكثر تماسكًا من العشيرة - يُصبح بيت المدين وزرًا لا يُمكن التحرّر منه. تتزعزع طبيعة العلاقات العائليّة إما بالنأي والابتعاد عن أسرة المدين وإما بالتشبّث بالعشيرة الأكبر كبُنية حامية.
بموازاة اللجوء للعشيرة والعائلة الموسّعة، يجب النظر إلى هذه العائلات النوويّة والظروف التي دفعتها لهذا النوع من الاستدانة (وقد تكون كثيرة، من الحظر البنكيّ والإفلاس وصولًا إلى القمار، وكلّها من أشكال الفقر والأزمات الاجتماعيّة.) وعليه يجب تذكّر البيئة التي ينشأ بها أولاد هذه العائلات، وما ينكشفون له منذ مراهقتهم من مفاهيم عنفٍ وتسلّح وإجرام، وتفكّك عائلاتهم والعيش في ظلال التهديد وانعدام الاستقرار والتخفّي، وارتفاع احتمال انخراطهم المستقبليّ بعالم الجريمة الذي يحتضنهم ويوفّر لهم ثراءً سريعًا وشعورًا بالنفوذ والسطوة لطالما افتقدوها.
وكلا الحالتين (عُزلة العائلة النوويّة المنهارة، والتمترس بالعشيرة الكبرى) ليستا حالتين مجتمعييتين طبيعيتين بديهيتين في معظم المناطق الفلسطينيّة. والتأرجح بينهما تحت ضغط الجريمة يمثّل زعزعةً في البنية التقليديّة للقرية الفلسطينيّة، واختلال مفتعل وغير طبيعيّ بالعلاقة بين مستويات التشكيل العائلي. هكذا نصبح بين ويلين متصارعين: عنف فوضويّ تختلط فيه قوّة السلاح العشائريّ بقوّة المنظّمات المؤلّفة من آلاف الشبّان من عائلات متشظّية ومسحوقة اجتماعيًا ممن نشأوا في ظلمات هذه الظروف المأساوية.
مراكمة الثروة وجريمة “الخاوة”
الخاوة - أي ابتزاز أصحاب المحال التجاريّة والمصالح لإجبارهم على دفع مبالغ شهريّة أو سنويّة ليزاولوا عملهم دون أذى- ليست جريمة مستجدّة، بل سبقت هذه الحقبة الدمويّة لسنوات طويلة. إلا أنّ هذه الجريمة اقتصرت حتّى آخر عقدٍ على مجالات معيّنة مثل المطاعم والمقاهي والحانات، ولا سيما في المدن الكبيرة والساحليّة المختلطة. واتّخذت أساليب مختلفة، متفاوتة الخطورة والمباشرة، من إجبار المحال على توفير “حراسةٍ” مقابل مبالغ طائلة، أو احتكار بيع المشروبات الكحوليّة أو غيرها. نحن اليوم في مرحلةٍ آخرى.
لم تعد “الخاوة” تميّز بين كشك فلافل، دكان ألبسة، أو محطّة وقود. كل المصالح التجاريّة في القرى والمدن الفلسطينيّة قد تكون هدفًا لهذا الابتزاز. بل أنّها طالت مصانع ومخازن وشركات أيضًا، وأصحاب وظائف، منهم حتّى المعلّمين، وأصحاب مكاتب تأمينات وحسابات وغيرها. جميعهم صاروا مطاردين للحصول على حصةٍ ثابتة من رواتبهم.
لا تتوقّف الخاوة هنا، بل تُجري المنظّمات “أبحاث” لكشف أصحاب “الثروة”. تلاحق من يبدو عليهم مظاهر الثراء (شراء سيارات فارهة مثلًا) أو من يُعرف امتلاكهم لأراضٍ أو بيوت، ويجري ابتزازهم لدفع مئات آلاف الشواقل “خاوة” على أملاكهم. في حالات كُشفت، أجبرت المنظّمات موظّفين في فروع البنوك المحليّة على كشوفات حسوبات المواطنين ليجري تدفيعهم “الخاوة” على توفيراتهم البنكيّة.
ما لا يمكن تجاهله، أن تصاعد الجريمة في السنوات الأخيرة توازى مع تصاعد هائلٍ في فتح المحال التجاريّة والمصالح في القرى والمدن الفلسطينيّة، واهتمام أكبر بمسائل الاستثمار بأسواق المال وشراء الأملاك خارج البنية الاقتصاديّة التقليديّة. وتحوّل عدد كبير من “المدن” إلى مراكز تجاريّة هائلة تعج بالخدمات والمتاجر وغيرها من المصالح.
نمى هذا المشهد الاقتصاديّ النشط بعلاقةٍ مع المشهد الإجراميّ. وأُديرت الخارطة الاقتصاديّة وتشكّلت ملامحها بعلاقة مع “الخاوة” - إما من خلال دفعها وتقليص هامش الربح إلى حدٍ بعيد، أو إغلاق هذه المحلات هربًا من الخاوة، أو بارتباط أصحاب المحلّات ببنية حامية، قد تكون عائلة موسّعة قويّة أو منظّمات جريمة أخرى أو تسليح واستعداد شخصيّ للقتال.
لذلك، بقيت هذه “الدفيئة” الاقتصاديّة النشطة (التي قامت على هامش الاقتصاد الإسرائيليّ وشكّلت بديلًا وإن محدودُا عن العمل المأجور عند الإسرائيليين) محجّمة ومكبوحة ومحكومة من خلال منظّمات الجريمة. بكلمات أخرى، فإن جريمة “الخاوة” تشكّل عاملًا مركزيًا في وأد حالة اقتصاديّة شبه مستقلّة، والحفاظ على الارتباط بسوق إسرائيليّ مركزي كما كان (وسيبقى) اقتصاد الفلسطينيين في إسرائيل. معنى ذلك، وهذا الأهم، منع تشكّل رافعة اقتصاديّة تمكّن الفلسطينيين من مراكمة الثروة والأملاك، وتقيّد القدرة الاستثماريّة والشرائيّة للثروة والأصول الثابتة وطويلة الأمد، والإبقاء على رأس مالٍ محصور قابل للسيطرة الإسرائيليّة على المدى البعيد كما كانت الحالة حتّى أوائل سنوات الألفين.
المواطنة وجريمة المناقصات
العمود الثالث للجريمة المنظّمة هو سيطرة المنظّمات على المناقصات وسحب الميزانيّات المؤسساتيّة والحكوميّة وتبييضها. تحوّل الحكومة الإسرائيليّة ميزانيّات (ضئيلة نسبيًا) للبلديّات ومجالس الحكم المحليّ، للمدارس، لمؤسسات ثقافيّة واجتماعيّة وغيرها في القرى والمدن العربيّة. قد تكون هذه مناقصات بناء، حراسة، جمع نفايات وغيرها. أو مناقصات لشراء المواد القرطاسيّة وحتّى النشاطات الثقافيّة والترفيهيّة كالمسرح والمحاضرات وورش العمل التربويّةّ.
تبتز المنظّمات إدارات هذه المؤسسات لتوجيه المناقصات لشركات ترتبط بها، وتُجبر بالتهديد شركات أخرى على الإنسحاب من المناقصات. ويتدحرج هذا بالتالي إلى تحكّم المنظّمات على المدى الطويلة بتوظيف القائمين على هذه الإدارات، والتدخّل بانتخابات المجالس المحليّة والبلديّات من أجل فرض رؤساء بلديّات وموظّفين مرتبطين بهم يؤهلون إحكام السيطرة على هذه الموارد ونقلها للمنظّمات الإجراميّة. القضيّة الأكبر، في يناير/كانون الثاني 2026، تتعلّق باعتقال رئيس بلديّة الناصرة علي سلّام (وهي المدينة الفلسطينيّة الأكبر في الداخل) ومحاسب البلديّة وعددًا من كبار مسؤوليها، وبعض رؤوس منظّمات الجريمة في قضيّة تحويل ميزانيّات بأكثر من 150 مليون شيكل (نحو 44,5 يورو) لمنظّمات الجريمة بين 2015 و-2025.
يُسقط هذا النمط الإجراميّ أبعاد هامّة على علاقة الفلسطينيين بالمؤسسات الرسميّة الإسرائيليّة وميزانيّتها. ويعيق أي إمكانيّة (بغض النظر إن كانت مرغوبة أم غير مرغوبة) بالانخراط المدنيّ بهذه المؤسسات وإدارة ميزانيّاتها لصالح المجتمع. استفحال منظّمات الجريمة في هذه المؤسسات يقوّض مساعي “لاندماج” الفلسطينيّ في مؤسسات الدولة، بمعنى الانتماء إليها فعليًا وليس وظيفيًا فقط.
اللاءات الثلاث
لسنوات طويلة، وبينما نجحت السلطات الإسرائيليّة باحتواءه وتحجيم الجريمة اليهوديّة المنظّمة بأساليب مختلفة ونجاعة، تعمّدت إدارة الجريمة وتأليبها داخل المجتمع الفلسطينيّ. تعامل النظام الاستعماريّ الصهيونيّ مع الفلسطينيين في الداخل باعتبارهم “ثقبًا” لا تعنى السلطة بحياته المدنيّة ومحكوم بالمخابرات والجيش والشرطة حصرًا. في كل مجالات الحياة، تركت إسرائيل التجمّعات الفلسطينيّة في الداخل دون أي آفاق تطوير وعناية وقدرات إدارة وحوكمة مدنيّة.
قمعت السلطات الإسرائيليّة كل محاولةٍ لنشوء بدائل تسيّس المجتمع، بمعنى تُرشد توجهاته وتحفظ تماسكه المجتمعيّ وتقدّمه بأي اتجاهٍ من الاتجاهات. تراجعت كثيرا الحياة الحزبيّة التي كانت لفترة طويلة ضلعًا مركزيًا في حياة الناس في القرى والمدن. وحُظرت في العقد الأخير، وهذا بمنتهى الأهميّة، الحركة الإسلاميّة الشماليّة التي شكّلت واحدة من أكبر الأنسجة الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة الفلسطينيّة في الداخل.
حافظت إسرائيل لعقود على هذا الفراغ العظيم. على أن نبقى مجتمعًا لا يقدّم ولا يؤخّر في السياسة والتاريخ وموازين القوى. اليوم، بعد عقدٍ نهضويّ شهده الداخل، انتهى إلى انتفاضة أيّار 2021، تخدم الجريمة وظيفةً استعماريّة جوهريّة: تخلق بنية سلطة، لها رموزها وشخصيّاتها التي باتت تجتذب أجيالًا لدوائرها، وتعيد إنتاج الحالة. ولها لغتها الداخليّة المهيمنة التي صارت جزءًا أساسيًا من قاموس المجتمع اليوميّة، ولها أساليبها وقوّتها التي صارت جزءًا من المنطق السائد والوضع القائم.
فعليًا، تبقي الفلسطينيين في الداخل على حالة “اللا-شيء”.
تشكّل الجريمة لاءات ثلاثة: لا تبقي عائلة. فتدمّر البنية التقليديّة التي تقوم عليه القرية الفلسطينيّة أساسًا، كما وصفنا في مسألة الإقراض. ولا تسمح بثروةٍ، فتضرب قدرتهم على التحوّل نحو فردانيّة سوق حرّ غير مرتبط بالدولة، من المصالح الخدماتيّة والاستهلاكيّة التي يمكن أن تجعلهم في المستقبل قدرة استثماريّة واقتصاديّة مركزيّة في داخل إسرائيل. ولا تسمح لهم بالاندماج بالمواطنة، من خلال إحباط محاولات انخراطهم بالمؤسسات الرسميّة وإدارة الحياة المدنيّة تحت ظل الدولة وميزانيّاتها.